من شنغهاي إلى شيكاغو: كيف فقدت الأسواق السيطرة على الفضة:
شهدت الفضة عامًا استثنائيًا في 2025، بعوائد ثلاثية الرقم، مدفوعة باختلال هيكلي واضح بين العرض والطلب. لكن ما هو أخطر – وأقل وضوحًا للمتابعين – ليس السعر بحد ذاته، بل البنية التحتية الخفية (Plumbing) لسوق الفضة العالمي.
لفهم ما يجري، لا بد من التمييز بين مستويين للسوق:
أولًا: السوق الفوري (Spot Market) وهو سوق الفضة المادية، حيث يُسعَّر أونص الفضة للتسليم الفوري. يتم التداول فيه في مراكز رئيسية مثل لندن، دبي، وشنغهاي. هنا نتحدث عن سبائك فعلية، يجب أن تلتزم بمعايير صارمة من حيث الوزن، النقاء، والأبعاد، وتقوم المصافي المعتمدة بإنتاجها، بينما تضمن البورصات مطابقتها للمواصفات.
ثانيًا: سوق العقود الآجلة (Futures Market) ويتركز أساسًا في شيكاغو عبر بورصة COMEX. في هذا السوق، يتم شراء وبيع الفضة للتسليم في تاريخ مستقبلي وبسعر محدد. الهدف الأساسي هنا هو التحوط: •شركات التعدين تثبّت أسعار بيعها المستقبلية. •شركات التكنولوجيا وصناعة الرقائق والمجوهرات تضمن تكاليف مدخلاتها. •إلى جانب ذلك، يوجد مضاربون يراهنون على الاختلالات السعرية.
في الظروف الطبيعية، يكون سعر العقود الآجلة أعلى من السعر الفوري، بسبب كلفة التخزين، التمويل، وقيمة الزمن. لكن ما نشهده اليوم هو انعكاس كامل لهذه العلاقة.
الأسعار الفورية للفضة في الصين باتت أعلى من أسعار العقود الآجلة في شيكاغو. وهذه إشارة شديدة الخطورة، لأنها تعني أن المعدن المادي أصبح نادرًا لدرجة أن السوق يدفع علاوة للحصول عليه الآن، لا لاحقًا.
الأخطر من ذلك أن الصين، التي تسيطر على نحو ثلثي القدرة العالمية لتكرير الفضة، فرضت – اعتبارًا من 1 يناير 2026 – حظرًا على تصدير الفضة. في الوقت نفسه، تشير البيانات المتاحة إلى أن مخازن الفضة المادية في لندن ودبي باتت شبه مستنزفة.
هذا يخلق معضلة حقيقية: إذا أرادت شركة مجوهرات أو شركة رقائق إلكترونية (مثل سامسونغ أو TSMC) استلام عقودها الآجلة تسليمًا فعليًا وليس نقديًا، فلا يوجد معدن كافٍ للتسليم. والتسوية بالدولار لا تحل المشكلة، لأن الرقائق الإلكترونية لا تُصنَع بالدولارات، بل بالفضة.
نصل هنا إلى الحلقة الأكثر حساسية: بنوك السبائك (Bullion Banks). هذه البنوك، التي تدير المخازن وتشرف على التسليم الفعلي، هي في الغالب مكشوفة ببيع مكثف (Net Short) على الفضة. أي أنها راهنت على توافر المعدن، وراهنت على استقرار السوق. ومع هذا الاختلال، أصبحت هذه المراكز خاسرة وخطِرة.
توجد مؤشرات – غير مؤكدة بالكامل – على أن هذه الفجوة في ميزانيات بنوك السبائك يتم احتواؤها بشكل غير مباشر عبر سوق الريبو وبدعم من Federal Reserve.
قد يظن البعض أن الأمر محدود، لأن سوق الفضة صغير نسبيًا (نحو 4 تريليونات دولار)، لكن الخطير هو وتيرة التضخم السريع: •أقل من تريليون قبل عامين •أقل من 2 تريليون قبل عام •نحو 4 تريليونات اليوم
المسألة هنا لم تعد مسألة معدن صناعي أو استثماري، بل نقطة اختناق استراتيجية في نظام مالي عالمي تهيمن عليه البنوك الأمريكية، في وقت تستخدم فيه الصين سلاسل الإمداد والمواد الحرجة كسلاح جيوسياسي.
في سياق حرب تجارية مفتوحة، وملف تايوان، وصراع على الهيمنة التكنولوجية والمالية، يصبح السؤال الجوهري ليس: هل ستستخدم الصين هذا الاختلال؟ بل: متى، وكيف، وبأي مستوى من التصعيد؟
قد تحتوي هذه الصفحة على محتوى من جهات خارجية، يتم تقديمه لأغراض إعلامية فقط (وليس كإقرارات/ضمانات)، ولا ينبغي اعتباره موافقة على آرائه من قبل Gate، ولا بمثابة نصيحة مالية أو مهنية. انظر إلى إخلاء المسؤولية للحصول على التفاصيل.
من شنغهاي إلى شيكاغو: كيف فقدت الأسواق السيطرة على الفضة:
شهدت الفضة عامًا استثنائيًا في 2025، بعوائد ثلاثية الرقم، مدفوعة باختلال هيكلي واضح بين العرض والطلب. لكن ما هو أخطر – وأقل وضوحًا للمتابعين – ليس السعر بحد ذاته، بل البنية التحتية الخفية (Plumbing) لسوق الفضة العالمي.
لفهم ما يجري، لا بد من التمييز بين مستويين للسوق:
أولًا: السوق الفوري (Spot Market)
وهو سوق الفضة المادية، حيث يُسعَّر أونص الفضة للتسليم الفوري. يتم التداول فيه في مراكز رئيسية مثل لندن، دبي، وشنغهاي. هنا نتحدث عن سبائك فعلية، يجب أن تلتزم بمعايير صارمة من حيث الوزن، النقاء، والأبعاد، وتقوم المصافي المعتمدة بإنتاجها، بينما تضمن البورصات مطابقتها للمواصفات.
ثانيًا: سوق العقود الآجلة (Futures Market)
ويتركز أساسًا في شيكاغو عبر بورصة COMEX. في هذا السوق، يتم شراء وبيع الفضة للتسليم في تاريخ مستقبلي وبسعر محدد. الهدف الأساسي هنا هو التحوط:
•شركات التعدين تثبّت أسعار بيعها المستقبلية.
•شركات التكنولوجيا وصناعة الرقائق والمجوهرات تضمن تكاليف مدخلاتها.
•إلى جانب ذلك، يوجد مضاربون يراهنون على الاختلالات السعرية.
في الظروف الطبيعية، يكون سعر العقود الآجلة أعلى من السعر الفوري، بسبب كلفة التخزين، التمويل، وقيمة الزمن. لكن ما نشهده اليوم هو انعكاس كامل لهذه العلاقة.
الأسعار الفورية للفضة في الصين باتت أعلى من أسعار العقود الآجلة في شيكاغو. وهذه إشارة شديدة الخطورة، لأنها تعني أن المعدن المادي أصبح نادرًا لدرجة أن السوق يدفع علاوة للحصول عليه الآن، لا لاحقًا.
الأخطر من ذلك أن الصين، التي تسيطر على نحو ثلثي القدرة العالمية لتكرير الفضة، فرضت – اعتبارًا من 1 يناير 2026 – حظرًا على تصدير الفضة. في الوقت نفسه، تشير البيانات المتاحة إلى أن مخازن الفضة المادية في لندن ودبي باتت شبه مستنزفة.
هذا يخلق معضلة حقيقية:
إذا أرادت شركة مجوهرات أو شركة رقائق إلكترونية (مثل سامسونغ أو TSMC) استلام عقودها الآجلة تسليمًا فعليًا وليس نقديًا، فلا يوجد معدن كافٍ للتسليم. والتسوية بالدولار لا تحل المشكلة، لأن الرقائق الإلكترونية لا تُصنَع بالدولارات، بل بالفضة.
نصل هنا إلى الحلقة الأكثر حساسية: بنوك السبائك (Bullion Banks).
هذه البنوك، التي تدير المخازن وتشرف على التسليم الفعلي، هي في الغالب مكشوفة ببيع مكثف (Net Short) على الفضة. أي أنها راهنت على توافر المعدن، وراهنت على استقرار السوق. ومع هذا الاختلال، أصبحت هذه المراكز خاسرة وخطِرة.
توجد مؤشرات – غير مؤكدة بالكامل – على أن هذه الفجوة في ميزانيات بنوك السبائك يتم احتواؤها بشكل غير مباشر عبر سوق الريبو وبدعم من Federal Reserve.
قد يظن البعض أن الأمر محدود، لأن سوق الفضة صغير نسبيًا (نحو 4 تريليونات دولار)، لكن الخطير هو وتيرة التضخم السريع:
•أقل من تريليون قبل عامين
•أقل من 2 تريليون قبل عام
•نحو 4 تريليونات اليوم
المسألة هنا لم تعد مسألة معدن صناعي أو استثماري، بل نقطة اختناق استراتيجية في نظام مالي عالمي تهيمن عليه البنوك الأمريكية، في وقت تستخدم فيه الصين سلاسل الإمداد والمواد الحرجة كسلاح جيوسياسي.
في سياق حرب تجارية مفتوحة، وملف تايوان، وصراع على الهيمنة التكنولوجية والمالية، يصبح السؤال الجوهري ليس:
هل ستستخدم الصين هذا الاختلال؟
بل: متى، وكيف، وبأي مستوى من التصعيد؟
الفضة قد تكون مجرد بداية.$GT