خلال العام الجاري 2025 شهدنا رحلة استثنائية لأسعار المعدن النفيس حيث لامست مستويات لم تشهدها الأسواق من قبل. ارتفعت الأسعار بشكل حاد لتتجاوز حاجز 4300 دولار للأوقية في فترة منتصف أكتوبر، قبل أن تشهد انكماشاً لاحقاً نحو منطقة 4000 دولار مع دخول نوفمبر. هذا التذبذب الحاد أثار نقاشات واسعة حول ماهية السيناريوهات المنتظرة لسنة 2026، وما إذا كان الذهب قادراً على كسر مستويات المقاومة التاريخية والوصول إلى 5000 دولار للأوقية أم لا.
ما الذي يدفع الذهب للارتفاع؟
الصورة الاقتصادية الحالية توفر أرضية خصبة لاستمرار قوة الطلب. التخوفات من تباطؤ النمو الاقتصادي العام، مقترنة بعودة تدريجية للسياسات النقدية التوسعية، جعلت المستثمرين يعيدون حساباتهم نحو الأصول الآمنة. عدم اليقين المحيط بالديون السيادية والتوترات في سلاسل الإمداد الدولية، كل ذلك عزّز من موقع الذهب كوسيلة حماية أساسية داخل المحافظ الاستثمارية الكبيرة.
الواقع أن توقعات أسعار الذهب لا تقتصر على مجرد تحليل تقني أو بيانات تاريخية، بل تعكس معادلة معقدة تجمع بين العوامل النقدية والتطورات الجيوسياسية واتجاهات الطلب العام. متابعة الأحداث على المستويين العالمي والإقليمي أصبحت ضرورية لمن يرغب في فهم ديناميكيات المعدن الثمين والتنبؤ بتحركاته المستقبلية.
أداء الذهب خلال 2025: الأرقام تتحدث
متوسط سعر المعدن على مدار السنة الحالية وصل إلى حوالي 3455 دولار للأوقية، مع تسجيل ذروة فاقت 4300 دولار في الشهر العاشر. هذا الصعود استند إلى دعائم عديدة أبرزها الطلب الاستثماري القياسي المتحرر من كل قيود تاريخية، بالإضافة إلى الزيادات المتتالية في احتياطيات البنوك المركزية الدولية.
بحسب توقعات المراكز المالية الكبرى:
بنك HSBC وبنك أوف أمريكا يتوقعان نطاقاً بين 3700 و4000 دولار بنهاية 2025 الحالي
غولدمان ساكس تشير إلى احتمالية الوصول لـ 3750 دولار مع احتفاظ بفرصة لقفزة أعلى إذا تفاقمت المخاطر
بنك ANZ يتوقع ارتفاعاً أكثر طموحاً ليصل إلى 4400 دولار بانتهاء السنة الجارية
عوامل تحت الرصد: ماذا عن 2026؟
الطلب على المعدن الثمين
مجلس الذهب العالمي أظهر أن إجمالي الطلب خلال الربع الثاني من 2025 بلغ 1249 طناً، بزيادة 3% سنوياً، فيما القيمة قفزت بمعدل 45% لتصل إلى 132 مليار دولار. صناديق الاستثمار المتداولة شهدت تدفقات قياسية، مما رفع الأصول المُدارة إلى 472 مليار دولار مع حيازات بلغت 3838 طناً. هذا الرقم يقترب خطيراً من الذروة التاريخية البالغة 3929 طناً، ما يعكس إقبالاً غير مسبوق على المعدن الأصفر كخيار استثماري.
نحو 28% من المستثمرين الجدد في الأسواق المتقدمة أضافوا الذهب إلى محافظهم للمرة الأولى العام الماضي، وحافظوا على مراكزهم حتى خلال فترات التراجع المؤقتة، مما أسهم في استقرار الأسعار. خبراء HSBC يرون أن النضج المالي المتزايد عزز من تصنيف الذهب كخيار أول للحماية، خصوصاً مع تقلبات العملات الرقمية والأسهم.
نشاط البنوك المركزية
البنوك المركزية حول العالم لم تتوقف عن تعزيز احتياطاتها الذهبية. في الربع الأول من 2025 وحده، أضافت 244 طناً، بمعدل يفوق 24% عن المتوسط الفصلي للسنوات الخمس السابقة. ما يثير الانتباه أن 44% من البنوك المركزية الآن تدير احتياطيات ذهبية، مقابل 37% فقط سنة 2024.
الصين وتركيا والهند تصدرت قائمة المشترين. بنك الشعب الصيني أضاف لوحده أكثر من 65 طناً، مستمراً في عملية الشراء للشهر الثاني والعشرين على التوالي، بينما ارتفعت احتياطيات تركيا لتتجاوز 600 طن. المجلس يتوقع أن يظل هذا النشاط عاملاً رئيسياً في دعم الطلب حتى نهاية 2026، خاصة من أسواق ناشئة تسعى لحماية عملاتها من تقلبات الصرف.
جانب العرض والإنتاج
الإنتاجية المعدنية وصلت إلى 856 طناً في الربع الأول من 2025، بزيادة طفيفة بلغت 1% سنوياً، غير أن هذا الارتفاع المحدود لا يسد الفجوة بين الطلب المتصاعد والمعروض المحدود. الأمر يتفاقم بسبب انخفاض الذهب المعاد تدويره بنسبة 1% خلال ذات الفترة، إذ يفضل حائزوه الاحتفاظ به بناءً على توقعات صعودية مستمرة.
مشهد تكاليف الإنتاج يزيد الضغط. تقرير فيتش سوليوشنز أشار إلى أن متوسط تكلفة الاستخراج العالمية ارتفع إلى نحو 1470 دولاراً للأوقية بمنتصف 2025، وهو أعلى مستوى خلال عقد كامل. هذا يعني أن أي زيادة إضافية في الإنتاج ستكون بطيئة وتتطلب استثمارات ضخمة.
قرارات الفيدرالي والسياسة النقدية
الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي خفض أسعار الفائدة في أكتوبر 2025 بمقدار 25 نقطة أساس، ليستقر النطاق بين 3.75 و4.00%. البيان المرافق أشار إلى احتمالية مزيد من التخفيضات إذا ضعف سوق العمل أو تراجع النمو، وهو مؤشر إيجابي لتوقعات الذهب.
بعض مسؤولي الفيدرالي توقعوا خفضين إضافيين قبل نهاية 2025، مدفوعين بمخاوف من ضعف التوظيف. توقعات المتداولين على أدوات السوق تسعر خفضاً جديداً بـ 25 نقطة في اجتماع ديسمبر القادم، ليكون ثالث تخفيض هذه السنة. تقارير بلاك روك تشير إلى أن الفيدرالي قد يستهدف معدل 3.4% بنهاية 2026 في سيناريو معتدل.
تخفيضات الفائدة المستقبلية ستؤدي إلى انخفاض العوائد الحقيقية للسندات، مما يقلل تكلفة الفرصة البديلة على الذهب كأصل لا يدرّ فائدة، ويعزز جاذبيته كملاذ آمن. لكن هذا يعتمد على استقرار التضخم واستجابة سوق العمل والتوجهات المالية العامة.
البنوك المركزية الكبرى الأخرى
سياسات البنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان تؤثر بشكل مباشر على توقعات الذهب أيضاً. عندما تعتمد هذه البنوك سياسات تيسيرية عبر خفض الفائدة، يضعف الذهب الذي يدرّ عائداً، ما يزيد الإقبال عليه كأصل آمن. التشديد النقدي من ناحية أخرى يمكن أن يحد من الطلب مؤقتاً، خاصة من المستثمرين المؤسسيين الباحثين عن عوائد ثابتة.
في 2025، واجهنا تباين سياسي: الفيدرالي بدأ خفض أسعاره، البنك المركزي الأوروبي استمر في التشديد، بنك اليابان بقي متساهلاً. هذا التنوع خلق بيئة تقلبية جعلت الذهب أداة حماية عالمية حقيقية.
التضخم والديون العالمية
البنك الدولي قدّر ارتفاع أسعار الذهب بـ 35% في 2025، لكنه توقّع تراجع النسبة في 2026 مع انحسار ضغوط التضخم، رغم بقاء الأسعار عالية مقارنة بالسنوات السابقة. صندوق النقد الدولي حذّر من تجاوز الدين العام العالمي 100% من الناتج المحلي الإجمالي، مما أثار مخاوف بشأن الاستدامة المالية.
ضعف الدولار وتباطؤ النمو ساهما في دعم أسعار السلع، والذهب على رأسها، كبديل آمن من مخاطر الديون السيادية المتصاعدة. تباطؤ برامج ضبط الموازنات في الاقتصادات الكبرى زاد الضغط على أسواق السندات، ما انعكس في قفزة الطلب على الذهب. بيانات بلومبرغ إيكونوميكس أظهرت أن 42% من صناديق التحوط الكبيرة عززت مراكزها في المعدن الثمين خلال الربع الثالث من 2025.
الجيوسياسيات والتوترات
النزاعات التجارية الأمريكية الصينية وتوترات الشرق الأوسط دفعت المستثمرين للبحث عن ملاذ آمن. وكالة رويترز أفادت أن الغموض الجيوسياسي في 2025 رفع الطلب بنسبة 7% سنوياً، مع تحوط الصناديق من مخاطر الأسواق الناشئة وتقلبات الطاقة.
عندما ساءت الأوضاع حول تايوان وتزايدت المخاوف من إمدادات الطاقة، قفزت الأسعار الفورية فوق 3400 دولار في يوليو 2025. مع استمرار عدم اليقين، واصل الذهب الصعود ليتجاوز 4300 دولار في منتصف أكتوبر. هذا السلوك يعزز فكرة أن أي صدمة جديدة في 2026 قد تدفع الأسعار إلى ذروات تاريخية جديدة.
العملة الأمريكية والعوائد الحقيقية
الذهب تاريخياً يتحرك عكسياً مع الدولار والعوائد الحقيقية للسندات الحكومية. ضعف الدولار يعني جاذبية أكثر للمستثمرين الأجانب، بينما العوائد المرتفعة تثبط الإقبال عليه كأصل بلا عائد.
في 2025، تراجع مؤشر الدولار بنسبة 7.64% من ذروته في بداية العام حتى 21 نوفمبر، متأثراً بتوقعات تخفيض الفائدة وتباطؤ النمو. عوائد السندات الأمريكية لـ 10 سنوات هبطت من 4.6% في الربع الأول إلى 4.07% في 21 نوفمبر. هذا التراجع المزدوج دعّم الطلب المؤسسي على الذهب وعزز توقعاته.
محللو بنك أوف أمريكا يرون أن استمرار هذا الاتجاه قد يدعم توقعات 2026، خاصة مع استقرار العوائد الحقيقية قرب 1.2% واستمرار الضغط على الدولار بسبب السياسة النقدية التيسيرية، مما قد يضع الذهب في مسار صعودي مستدام.
ماذا يتوقع الخبراء لسنة 2026؟
التوقعات الرسمية من المراكز المالية
بنك HSBC يتوقع دفقة صعود جديدة بحيث يلامس الذهب 5000 دولار في النصف الأول من 2026، مع متوسط سنوي متوقع بـ 4600 دولار، مقابل 3455 دولار في 2025. هذا التوقع يستند إلى مخاطر جيوسياسية متزايدة وارتفاع الديون وطلب من مستثمرين جدد.
بنك أوف أمريكا رفع توقعاته ليصل الذهب إلى 5000 دولار كذروة محتملة، مع متوسط 4400 دولار سنوياً، لكنه نبّه لاحتمالية تصحيح قصير الأجل إذا بدأ المستثمرون جني الأرباح.
غولدمان ساكس عدّلت توقعها لـ 4900 دولار للأوقية، مؤشرة إلى تدفق أقوى نحو صناديق المتداولة والاستمرار البنكي في الاقتناء.
بنك جيه بي مورغان يتوقع متوسط 3675 دولار في الربع الأخير من 2025، مع وصول الذهب إلى حوالي 5055 دولاراً بمنتصف 2026، غير أن الأسعار الفعلية تجاوزت المستهدفات بالفعل.
النطاق الأكثر تكراراً بين المحللين الكبار يمتد بين 4800 و5000 دولار كذروة، مع متوسط يتراوح بين 4200 و4800 دولار.
توقعات إقليمية
في منطقة الشرق الأوسط، أضاف البنك المركزي المصري طناً واحداً في الربع الأول من 2025، بينما أضاف البنك القطري 3 أطنان. بناءً على توقعات CoinCodex، قد يصل سعر الأوقية في مصر إلى حوالي 522,580 جنيهاً مصرياً، بزيادة 158.46% عن الحالي.
في السعودية، إذا ترجمنا التوقعات العالمية البالغة 5000 دولار للأوقية مع سعر صرف ثابت بين 3.75 و3.80 ريال لكل دولار، قد نشهد أسعار تقارب 18750 إلى 19000 ريال سعودي.
في الإمارات، نفس التوقع بـ 5000 دولار قد يعطي تقديراً يقارب 18375 إلى 19000 درهم إماراتي. لكن من الضروري الإشارة إلى أن هذه التوقعات تقريبية وتعتمد على استقرار أسعار الصرف واستمرار الطلب العالمي وغياب تقلبات اقتصادية كبيرة.
مخاطر التصحيح والتحفظات
رغم التفاؤل السائد، بنك HSBC حذّر من أن الزخم الصاعد قد يفقد قوة في النصف الثاني من 2026، مع احتمالات تصحيح نحو 4200 دولار إذا لجأ المستثمرون لجني الأرباح. لكنه استبعد هبوطاً دون 3800 دولار ما لم تحدث صدمة اقتصادية كبيرة.
غولدمان ساكس نبّهت من أن استمرار الأسعار فوق 4800 دولار قد يضع السوق أمام “اختبار صدقية سعرية”، أي اختبار قدرة الذهب على الحفاظ على المستويات في ظل ضعف الطلب الصناعي.
محللو جيه بي مورغان ودويتشه بنك اتفقوا أن الذهب دخل منطقة سعرية جديدة يصعب كسرها نحو الأسفل، بفضل تحول استراتيجي في نظرة المستثمرين إليه كأصل طويل الأجل وليس أداة مضاربة قصيرة.
التحليل التقني: ماذا تقول الأشكال البيانية؟
بناءً على بيانات الإطار اليومي، أغلق الذهب تعاملات يوم 21 نوفمبر 2025 عند 4065.01 دولار، بعدما لامس ذروة تاريخية عند 4381.44 دولار في 20 أكتوبر.
كسر السعر خط القناة الصاعدة على الإطار اليومي، لكنه محافظ على خط الاتجاه الرئيسي على المدى القصير إلى المتوسط الذي يربط القيعان حول 4050 دولار. هناك دعم قوي عند 4000 دولار، وهذه منطقة حاسمة. اختراقها بإغلاق يومي واضح قد يستهدف 3800 دولار (50% من فيبوناتشي)، قبل عودة محتملة للصعود.
من الجهة العليا، 4200 دولار يمثل مقاومة قوية أولى، واختراقه يفتح الطريق نحو 4400 و4680 دولار.
مؤشر القوة النسبية (RSI) يستقر عند 50، ما يعكس حيادية السوق تماماً، تساوي الضغوط الشرائية والبيعية بلا ميل واضح. مؤشر MACD يظل خط الإشارة فوق الصفر، مؤكداً أن الاتجاه العام صاعد. التحليل الفني يرجح تداول الذهب في نطاق عرضي مائل صعوداً بين 4000 و4220 دولار على المدى القريب، مع بقاء الصورة عامة إيجابية طالما ظل السعر فوق خط الاتجاه الرئيسي.
الخلاصة: ماذا يعني كل هذا؟
رحلة الذهب في 2025 كانت غير عادية بكل المقاييس، لكن ما يأتي بعده قد يكون أكثر إثارة. توقعات أسعار الذهب لـ 2026 تحتل موقعاً محورياً في فهمنا لما إذا كان المعدن سيحافظ على دوره كملاذ آمن في عالم تتصاعد فيه المخاطر.
مع اقتراب نهاية دورة التشديق النقدي ودخول الاقتصاد العالمي مرحلة تباطؤ، قد نشهد صراعاً بين جني الأرباح وموجات شراء جديدة من البنوك المركزية والمؤسسات الاستثمارية.
إذا ما استمرت العوائد الحقيقية في التراجع وبقي الدولار ضعيفاً، فإن الذهب مرشح قوي لتسجيل قمم تاريخية جديدة قد تقترب من 5000 دولار أو تتجاوزها. في المقابل، إذا تراجع التضخم وعادت الثقة للأسواق المالية، قد يدخل المعدن مرحلة استقرار طويلة الأجل قد تحول دون تحقيق المستويات الطموحة المستهدفة.
قد تحتوي هذه الصفحة على محتوى من جهات خارجية، يتم تقديمه لأغراض إعلامية فقط (وليس كإقرارات/ضمانات)، ولا ينبغي اعتباره موافقة على آرائه من قبل Gate، ولا بمثابة نصيحة مالية أو مهنية. انظر إلى إخلاء المسؤولية للحصول على التفاصيل.
توقعات أسعار الذهب غدا 2026: هل حقاً ستلامس المعادن الثمينة سقفاً جديداً؟
خلال العام الجاري 2025 شهدنا رحلة استثنائية لأسعار المعدن النفيس حيث لامست مستويات لم تشهدها الأسواق من قبل. ارتفعت الأسعار بشكل حاد لتتجاوز حاجز 4300 دولار للأوقية في فترة منتصف أكتوبر، قبل أن تشهد انكماشاً لاحقاً نحو منطقة 4000 دولار مع دخول نوفمبر. هذا التذبذب الحاد أثار نقاشات واسعة حول ماهية السيناريوهات المنتظرة لسنة 2026، وما إذا كان الذهب قادراً على كسر مستويات المقاومة التاريخية والوصول إلى 5000 دولار للأوقية أم لا.
ما الذي يدفع الذهب للارتفاع؟
الصورة الاقتصادية الحالية توفر أرضية خصبة لاستمرار قوة الطلب. التخوفات من تباطؤ النمو الاقتصادي العام، مقترنة بعودة تدريجية للسياسات النقدية التوسعية، جعلت المستثمرين يعيدون حساباتهم نحو الأصول الآمنة. عدم اليقين المحيط بالديون السيادية والتوترات في سلاسل الإمداد الدولية، كل ذلك عزّز من موقع الذهب كوسيلة حماية أساسية داخل المحافظ الاستثمارية الكبيرة.
الواقع أن توقعات أسعار الذهب لا تقتصر على مجرد تحليل تقني أو بيانات تاريخية، بل تعكس معادلة معقدة تجمع بين العوامل النقدية والتطورات الجيوسياسية واتجاهات الطلب العام. متابعة الأحداث على المستويين العالمي والإقليمي أصبحت ضرورية لمن يرغب في فهم ديناميكيات المعدن الثمين والتنبؤ بتحركاته المستقبلية.
أداء الذهب خلال 2025: الأرقام تتحدث
متوسط سعر المعدن على مدار السنة الحالية وصل إلى حوالي 3455 دولار للأوقية، مع تسجيل ذروة فاقت 4300 دولار في الشهر العاشر. هذا الصعود استند إلى دعائم عديدة أبرزها الطلب الاستثماري القياسي المتحرر من كل قيود تاريخية، بالإضافة إلى الزيادات المتتالية في احتياطيات البنوك المركزية الدولية.
بحسب توقعات المراكز المالية الكبرى:
عوامل تحت الرصد: ماذا عن 2026؟
الطلب على المعدن الثمين
مجلس الذهب العالمي أظهر أن إجمالي الطلب خلال الربع الثاني من 2025 بلغ 1249 طناً، بزيادة 3% سنوياً، فيما القيمة قفزت بمعدل 45% لتصل إلى 132 مليار دولار. صناديق الاستثمار المتداولة شهدت تدفقات قياسية، مما رفع الأصول المُدارة إلى 472 مليار دولار مع حيازات بلغت 3838 طناً. هذا الرقم يقترب خطيراً من الذروة التاريخية البالغة 3929 طناً، ما يعكس إقبالاً غير مسبوق على المعدن الأصفر كخيار استثماري.
نحو 28% من المستثمرين الجدد في الأسواق المتقدمة أضافوا الذهب إلى محافظهم للمرة الأولى العام الماضي، وحافظوا على مراكزهم حتى خلال فترات التراجع المؤقتة، مما أسهم في استقرار الأسعار. خبراء HSBC يرون أن النضج المالي المتزايد عزز من تصنيف الذهب كخيار أول للحماية، خصوصاً مع تقلبات العملات الرقمية والأسهم.
نشاط البنوك المركزية
البنوك المركزية حول العالم لم تتوقف عن تعزيز احتياطاتها الذهبية. في الربع الأول من 2025 وحده، أضافت 244 طناً، بمعدل يفوق 24% عن المتوسط الفصلي للسنوات الخمس السابقة. ما يثير الانتباه أن 44% من البنوك المركزية الآن تدير احتياطيات ذهبية، مقابل 37% فقط سنة 2024.
الصين وتركيا والهند تصدرت قائمة المشترين. بنك الشعب الصيني أضاف لوحده أكثر من 65 طناً، مستمراً في عملية الشراء للشهر الثاني والعشرين على التوالي، بينما ارتفعت احتياطيات تركيا لتتجاوز 600 طن. المجلس يتوقع أن يظل هذا النشاط عاملاً رئيسياً في دعم الطلب حتى نهاية 2026، خاصة من أسواق ناشئة تسعى لحماية عملاتها من تقلبات الصرف.
جانب العرض والإنتاج
الإنتاجية المعدنية وصلت إلى 856 طناً في الربع الأول من 2025، بزيادة طفيفة بلغت 1% سنوياً، غير أن هذا الارتفاع المحدود لا يسد الفجوة بين الطلب المتصاعد والمعروض المحدود. الأمر يتفاقم بسبب انخفاض الذهب المعاد تدويره بنسبة 1% خلال ذات الفترة، إذ يفضل حائزوه الاحتفاظ به بناءً على توقعات صعودية مستمرة.
مشهد تكاليف الإنتاج يزيد الضغط. تقرير فيتش سوليوشنز أشار إلى أن متوسط تكلفة الاستخراج العالمية ارتفع إلى نحو 1470 دولاراً للأوقية بمنتصف 2025، وهو أعلى مستوى خلال عقد كامل. هذا يعني أن أي زيادة إضافية في الإنتاج ستكون بطيئة وتتطلب استثمارات ضخمة.
قرارات الفيدرالي والسياسة النقدية
الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي خفض أسعار الفائدة في أكتوبر 2025 بمقدار 25 نقطة أساس، ليستقر النطاق بين 3.75 و4.00%. البيان المرافق أشار إلى احتمالية مزيد من التخفيضات إذا ضعف سوق العمل أو تراجع النمو، وهو مؤشر إيجابي لتوقعات الذهب.
بعض مسؤولي الفيدرالي توقعوا خفضين إضافيين قبل نهاية 2025، مدفوعين بمخاوف من ضعف التوظيف. توقعات المتداولين على أدوات السوق تسعر خفضاً جديداً بـ 25 نقطة في اجتماع ديسمبر القادم، ليكون ثالث تخفيض هذه السنة. تقارير بلاك روك تشير إلى أن الفيدرالي قد يستهدف معدل 3.4% بنهاية 2026 في سيناريو معتدل.
تخفيضات الفائدة المستقبلية ستؤدي إلى انخفاض العوائد الحقيقية للسندات، مما يقلل تكلفة الفرصة البديلة على الذهب كأصل لا يدرّ فائدة، ويعزز جاذبيته كملاذ آمن. لكن هذا يعتمد على استقرار التضخم واستجابة سوق العمل والتوجهات المالية العامة.
البنوك المركزية الكبرى الأخرى
سياسات البنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان تؤثر بشكل مباشر على توقعات الذهب أيضاً. عندما تعتمد هذه البنوك سياسات تيسيرية عبر خفض الفائدة، يضعف الذهب الذي يدرّ عائداً، ما يزيد الإقبال عليه كأصل آمن. التشديد النقدي من ناحية أخرى يمكن أن يحد من الطلب مؤقتاً، خاصة من المستثمرين المؤسسيين الباحثين عن عوائد ثابتة.
في 2025، واجهنا تباين سياسي: الفيدرالي بدأ خفض أسعاره، البنك المركزي الأوروبي استمر في التشديد، بنك اليابان بقي متساهلاً. هذا التنوع خلق بيئة تقلبية جعلت الذهب أداة حماية عالمية حقيقية.
التضخم والديون العالمية
البنك الدولي قدّر ارتفاع أسعار الذهب بـ 35% في 2025، لكنه توقّع تراجع النسبة في 2026 مع انحسار ضغوط التضخم، رغم بقاء الأسعار عالية مقارنة بالسنوات السابقة. صندوق النقد الدولي حذّر من تجاوز الدين العام العالمي 100% من الناتج المحلي الإجمالي، مما أثار مخاوف بشأن الاستدامة المالية.
ضعف الدولار وتباطؤ النمو ساهما في دعم أسعار السلع، والذهب على رأسها، كبديل آمن من مخاطر الديون السيادية المتصاعدة. تباطؤ برامج ضبط الموازنات في الاقتصادات الكبرى زاد الضغط على أسواق السندات، ما انعكس في قفزة الطلب على الذهب. بيانات بلومبرغ إيكونوميكس أظهرت أن 42% من صناديق التحوط الكبيرة عززت مراكزها في المعدن الثمين خلال الربع الثالث من 2025.
الجيوسياسيات والتوترات
النزاعات التجارية الأمريكية الصينية وتوترات الشرق الأوسط دفعت المستثمرين للبحث عن ملاذ آمن. وكالة رويترز أفادت أن الغموض الجيوسياسي في 2025 رفع الطلب بنسبة 7% سنوياً، مع تحوط الصناديق من مخاطر الأسواق الناشئة وتقلبات الطاقة.
عندما ساءت الأوضاع حول تايوان وتزايدت المخاوف من إمدادات الطاقة، قفزت الأسعار الفورية فوق 3400 دولار في يوليو 2025. مع استمرار عدم اليقين، واصل الذهب الصعود ليتجاوز 4300 دولار في منتصف أكتوبر. هذا السلوك يعزز فكرة أن أي صدمة جديدة في 2026 قد تدفع الأسعار إلى ذروات تاريخية جديدة.
العملة الأمريكية والعوائد الحقيقية
الذهب تاريخياً يتحرك عكسياً مع الدولار والعوائد الحقيقية للسندات الحكومية. ضعف الدولار يعني جاذبية أكثر للمستثمرين الأجانب، بينما العوائد المرتفعة تثبط الإقبال عليه كأصل بلا عائد.
في 2025، تراجع مؤشر الدولار بنسبة 7.64% من ذروته في بداية العام حتى 21 نوفمبر، متأثراً بتوقعات تخفيض الفائدة وتباطؤ النمو. عوائد السندات الأمريكية لـ 10 سنوات هبطت من 4.6% في الربع الأول إلى 4.07% في 21 نوفمبر. هذا التراجع المزدوج دعّم الطلب المؤسسي على الذهب وعزز توقعاته.
محللو بنك أوف أمريكا يرون أن استمرار هذا الاتجاه قد يدعم توقعات 2026، خاصة مع استقرار العوائد الحقيقية قرب 1.2% واستمرار الضغط على الدولار بسبب السياسة النقدية التيسيرية، مما قد يضع الذهب في مسار صعودي مستدام.
ماذا يتوقع الخبراء لسنة 2026؟
التوقعات الرسمية من المراكز المالية
بنك HSBC يتوقع دفقة صعود جديدة بحيث يلامس الذهب 5000 دولار في النصف الأول من 2026، مع متوسط سنوي متوقع بـ 4600 دولار، مقابل 3455 دولار في 2025. هذا التوقع يستند إلى مخاطر جيوسياسية متزايدة وارتفاع الديون وطلب من مستثمرين جدد.
بنك أوف أمريكا رفع توقعاته ليصل الذهب إلى 5000 دولار كذروة محتملة، مع متوسط 4400 دولار سنوياً، لكنه نبّه لاحتمالية تصحيح قصير الأجل إذا بدأ المستثمرون جني الأرباح.
غولدمان ساكس عدّلت توقعها لـ 4900 دولار للأوقية، مؤشرة إلى تدفق أقوى نحو صناديق المتداولة والاستمرار البنكي في الاقتناء.
بنك جيه بي مورغان يتوقع متوسط 3675 دولار في الربع الأخير من 2025، مع وصول الذهب إلى حوالي 5055 دولاراً بمنتصف 2026، غير أن الأسعار الفعلية تجاوزت المستهدفات بالفعل.
النطاق الأكثر تكراراً بين المحللين الكبار يمتد بين 4800 و5000 دولار كذروة، مع متوسط يتراوح بين 4200 و4800 دولار.
توقعات إقليمية
في منطقة الشرق الأوسط، أضاف البنك المركزي المصري طناً واحداً في الربع الأول من 2025، بينما أضاف البنك القطري 3 أطنان. بناءً على توقعات CoinCodex، قد يصل سعر الأوقية في مصر إلى حوالي 522,580 جنيهاً مصرياً، بزيادة 158.46% عن الحالي.
في السعودية، إذا ترجمنا التوقعات العالمية البالغة 5000 دولار للأوقية مع سعر صرف ثابت بين 3.75 و3.80 ريال لكل دولار، قد نشهد أسعار تقارب 18750 إلى 19000 ريال سعودي.
في الإمارات، نفس التوقع بـ 5000 دولار قد يعطي تقديراً يقارب 18375 إلى 19000 درهم إماراتي. لكن من الضروري الإشارة إلى أن هذه التوقعات تقريبية وتعتمد على استقرار أسعار الصرف واستمرار الطلب العالمي وغياب تقلبات اقتصادية كبيرة.
مخاطر التصحيح والتحفظات
رغم التفاؤل السائد، بنك HSBC حذّر من أن الزخم الصاعد قد يفقد قوة في النصف الثاني من 2026، مع احتمالات تصحيح نحو 4200 دولار إذا لجأ المستثمرون لجني الأرباح. لكنه استبعد هبوطاً دون 3800 دولار ما لم تحدث صدمة اقتصادية كبيرة.
غولدمان ساكس نبّهت من أن استمرار الأسعار فوق 4800 دولار قد يضع السوق أمام “اختبار صدقية سعرية”، أي اختبار قدرة الذهب على الحفاظ على المستويات في ظل ضعف الطلب الصناعي.
محللو جيه بي مورغان ودويتشه بنك اتفقوا أن الذهب دخل منطقة سعرية جديدة يصعب كسرها نحو الأسفل، بفضل تحول استراتيجي في نظرة المستثمرين إليه كأصل طويل الأجل وليس أداة مضاربة قصيرة.
التحليل التقني: ماذا تقول الأشكال البيانية؟
بناءً على بيانات الإطار اليومي، أغلق الذهب تعاملات يوم 21 نوفمبر 2025 عند 4065.01 دولار، بعدما لامس ذروة تاريخية عند 4381.44 دولار في 20 أكتوبر.
كسر السعر خط القناة الصاعدة على الإطار اليومي، لكنه محافظ على خط الاتجاه الرئيسي على المدى القصير إلى المتوسط الذي يربط القيعان حول 4050 دولار. هناك دعم قوي عند 4000 دولار، وهذه منطقة حاسمة. اختراقها بإغلاق يومي واضح قد يستهدف 3800 دولار (50% من فيبوناتشي)، قبل عودة محتملة للصعود.
من الجهة العليا، 4200 دولار يمثل مقاومة قوية أولى، واختراقه يفتح الطريق نحو 4400 و4680 دولار.
مؤشر القوة النسبية (RSI) يستقر عند 50، ما يعكس حيادية السوق تماماً، تساوي الضغوط الشرائية والبيعية بلا ميل واضح. مؤشر MACD يظل خط الإشارة فوق الصفر، مؤكداً أن الاتجاه العام صاعد. التحليل الفني يرجح تداول الذهب في نطاق عرضي مائل صعوداً بين 4000 و4220 دولار على المدى القريب، مع بقاء الصورة عامة إيجابية طالما ظل السعر فوق خط الاتجاه الرئيسي.
الخلاصة: ماذا يعني كل هذا؟
رحلة الذهب في 2025 كانت غير عادية بكل المقاييس، لكن ما يأتي بعده قد يكون أكثر إثارة. توقعات أسعار الذهب لـ 2026 تحتل موقعاً محورياً في فهمنا لما إذا كان المعدن سيحافظ على دوره كملاذ آمن في عالم تتصاعد فيه المخاطر.
مع اقتراب نهاية دورة التشديق النقدي ودخول الاقتصاد العالمي مرحلة تباطؤ، قد نشهد صراعاً بين جني الأرباح وموجات شراء جديدة من البنوك المركزية والمؤسسات الاستثمارية.
إذا ما استمرت العوائد الحقيقية في التراجع وبقي الدولار ضعيفاً، فإن الذهب مرشح قوي لتسجيل قمم تاريخية جديدة قد تقترب من 5000 دولار أو تتجاوزها. في المقابل، إذا تراجع التضخم وعادت الثقة للأسواق المالية، قد يدخل المعدن مرحلة استقرار طويلة الأجل قد تحول دون تحقيق المستويات الطموحة المستهدفة.