عشرون عامًا من التحول الاقتصادي: كيف أعادت الصين تشكيل اقتصاد اليابان



شهدت هذه الحقبة التي استمرت عشرين عامًا تحولًا اقتصاديًا، حيث سلكت دولتان من شرق آسيا مسارات تنمية مختلفة تمامًا. من تصدر اليابان اقتصاد العالم في عام 2000، إلى تجاوز حجم الاقتصاد الصيني لأربعة أضعاف اليابان في عام 2023، ما الذي يكمن وراء هذه الأرقام؟

**التحول الكبير في الحجم الاقتصادي**

في بداية القرن، حافظ اقتصاد اليابان على مركزه الثاني عالميًا بحجم قدره 4.97 تريليون دولار، بينما كان حجم الصين فقط 1.21 تريليون دولار، والفارق كبير جدًا. كانت اليابان آنذاك اقتصادًا ناضجًا ومتقدمًا، يمثل أعلى مستوى في شرق آسيا؛ أما الصين فكانت لا تزال في مرحلة التسريع الصناعي، ويبدو أن الطريق نحو التقدم لا نهاية له.

وفي غضون ثلاثة وعشرين عامًا، تغيرت الأمور تمامًا. في عام 2023، تجاوز الناتج المحلي الإجمالي للصين عتبة 17.7 تريليون دولار، وظل في المركز الثاني عالميًا لسنوات، بينما بلغ إجمالي اقتصاد اليابان 4.23 تريليون دولار فقط. أصبح حجم الاقتصاد الصيني 4.2 مرة حجم اليابان، وقريبًا من 5 أضعاف، مما يهدد ترتيب العالم لألمانيا، التي تحتل المركز الثالث. هذا ليس مجرد علاقة عددية، بل هو إعادة كتابة جذرية لمسارات تطور البلدين.

**البنية التحتية كمحرك رئيسي لتحسين جودة الحياة**

من أين جاء هذا التوسع في الحجم الاقتصادي؟ غالبًا ما يُغفل عامل رئيسي وهو الاستثمار في البنية التحتية بشكل استباقي وعلى نطاق واسع.

خلال العشرين عامًا الماضية، دفعت الصين بقوة غير متوقعة نحو تحديث البنية التحتية، مما أدى إلى تغييرات نوعية في ملامح المدن. من أبرز الأمثلة هو تحويل الكابلات إلى تحت الأرض، حيث حققت بكين نسبة 100% من الكابلات المدفونة، وتهدف إلى وصول نسبة الكابلات المدفونة في المدن الكبرى على مستوى البلاد إلى 85% بحلول عام 2025. هذا لا يحسن فقط من جمالية المدن، بل يعزز أيضًا السلامة العامة واستقرار إمدادات الكهرباء. بالمقابل، لا تزال اليابان تعاني من وجود 36 مليون عمود كهربائي فوق المدن، وتضيف حوالي 70 ألف عمود سنويًا. نسبة الكابلات المدفونة في مركز طوكيو لا تتجاوز 8%، وتشكّل الشبكة الكثيفة من الأسلاك الكهربائية مشكلة مستعصية، تعكس توازنًا غير متوازن بين شركات الكهرباء الخاصة والمصلحة العامة على المدى الطويل.

هذا الاختلاف يتضح جليًا عند مقارنة البنية التحتية بشكل شامل، من وسائل النقل إلى الشبكات الذكية، حيث استثمرت الصين بشكل منهجي لبناء منظومة بنية تحتية حديثة، مما وضع أساسًا قويًا لترقية الصناعات لاحقًا.

**الابتكار التكنولوجي في نقاط متعددة**

المنافسة الاقتصادية تتوقف في النهاية على التكنولوجيا. خلال العشرين عامًا الماضية، حققت الصين تحولًا من كونها تابعة إلى رائدة في مجالات رئيسية.

في مجال استكشاف الفضاء، تتقدم برامج الصين للرحلات المأهولة بشكل ثابت، وحقق استكشاف القمر نتائج ملحوظة، بينما تعتمد قدرات اليابان في استكشاف الفضاء العميق بشكل كبير على شبكات الاتصالات الأمريكية. في صناعة الطيران، أُكملت طائرات الركاب الكبيرة مثل C919 والطائرات النقل الكبيرة، مما سد فجوة القدرة الذاتية. كما أن صناعة بناء السفن، وهي من التراث الصيني، لا تزال تتصدر عالميًا من حيث حجم الإنجاز، والطلبيات الجديدة، والطلبات القائمة، خاصة في مجالات ناقلات الغاز الطبيعي المسال، والسفن الحاوية، حيث تحتل مكانة مطلقة.

أما في مجال السيارات الجديدة، فهي المنطقة التي تظهر فيها الفجوة بشكل واضح، حيث بلغت مبيعات الصين في 2023 أكثر من 60% من السوق العالمية، وتجاوزت الصادرات اليابان لتصبح الأولى. وفي الصناعات الاستراتيجية مثل تصميم أشباه الموصلات وتقنيات 5G، حققت الصين نتائج مثمرة، وقلصت الفجوة أو تجاوزتها سابقًا.

**الاستثمار في البحث والتطوير كعامل تفوق مزدوج**

التقدم التكنولوجي لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال استثمار مستمر في البحث والتطوير. الصين حققت تفوقًا في هذا المجال من حيث الحجم والنسبة.

في عام 2022، بلغ إنفاق الصين على البحوث الأساسية 195.1 مليار يوان، مضاعفًا خلال خمس سنوات، متجاوزًا بكثير اليابان. والأهم من ذلك هو كفاءة تحويل هذا الاستثمار إلى نتائج، حيث تتصدر الصين عالميًا في طلبات براءات الاختراع الدولية PCT لعدة سنوات، وتفوق اليابان بأكثر من الضعف. هذا يدل على أن الصين لا تنفق فقط على البحث، بل تُحوّل هذه الاستثمارات بشكل مستمر إلى براءات اختراع وتقنيات متقدمة.

**الدروس العميقة من التحول التاريخي**

عشرين عامًا كافية لإعادة تشكيل ملامح عصر كامل. من أن تتخلف الصين عن اليابان بأربعة أضعاف في الحجم الاقتصادي، إلى أن تتفوق عليه الآن بأكثر من أربعة أضعاف، فإن هذا التحول ليس صدفة، بل هو نتيجة استراتيجية استثمار منهجية، وتركيز على البنية التحتية، وقيادة بالابتكار. كل رقم يعكس توجهًا سياسيًا، وتخطيطًا صناعيًا، ورؤية طويلة الأمد.

مستقبلًا، هل ستستمر الفجوة بين الصين واليابان في التوسع أم ستتوازن؟ ذلك يعتمد على كيفية استجابتهما لثورة التكنولوجيا الجديدة. لكن من خلال الوضع الحالي، فإن الاقتصاد الصيني قد أكمل تحوله من تابع إلى رائد، وهذا التحول بحد ذاته هو أبلغ تعبير عن "تغيير العالم" بشكل حي وملموس.
شاهد النسخة الأصلية
قد تحتوي هذه الصفحة على محتوى من جهات خارجية، يتم تقديمه لأغراض إعلامية فقط (وليس كإقرارات/ضمانات)، ولا ينبغي اعتباره موافقة على آرائه من قبل Gate، ولا بمثابة نصيحة مالية أو مهنية. انظر إلى إخلاء المسؤولية للحصول على التفاصيل.
  • أعجبني
  • تعليق
  • إعادة النشر
  • مشاركة
تعليق
0/400
لا توجد تعليقات
  • Gate Fun الساخن

    عرض المزيد
  • القيمة السوقية:$3.67Kعدد الحائزين:2
    0.04%
  • القيمة السوقية:$3.62Kعدد الحائزين:1
    0.00%
  • القيمة السوقية:$3.64Kعدد الحائزين:1
    0.00%
  • القيمة السوقية:$3.63Kعدد الحائزين:1
    0.00%
  • القيمة السوقية:$3.95Kعدد الحائزين:2
    1.38%
  • تثبيت