تفسير عميق لآلية التوقف في الأسهم الأمريكية: من الاثنين الأسود إلى توقفات السلسلة في عام 2020

عندما تتعرض سوق الأسهم لانهيار مفاجئ، يتوقف التداول فجأة — وهكذا تظهر آلية الإيقاف المؤقت في سوق الأسهم الأمريكية. كواحدة من أهم الأسواق المالية العالمية، فإن قواعد التداول في السوق الأمريكية لها دلالة مرجعية للمستثمرين حول العالم. ستتناول المقالة من خلال شرح المبادئ التشغيلية الفعلية، أصل هذه الآلية وتأثيراتها الحقيقية.

المبدأ الأساسي لآلية الإيقاف المؤقت

الإيقاف المؤقت (Circuit Breaker) استعار اسمه من المبادئ الفيزيائية — فعندما يحدث خلل في الدائرة الكهربائية، ويزيد التيار بشكل مفرط، يقوم القاطع الكهربائي بقطع التيار على الفور لحماية النظام. سوق الأسهم الأمريكية استعار هذا المفهوم ليصمم آلية حماية من المخاطر الخاصة به.

في التداول الفعلي، آلية الإيقاف المؤقت تعني أنه عندما ينخفض مؤشر S&P 500 بأكثر من النسبة المحددة خلال يوم واحد، تتوقف البورصة عن التداول بشكل مؤقت. هذا التوقف ليس غير محدود، بل يمنح المستثمرين فترة هدوء — لوقف التهور وإعادة تقييم الوضع، بدلاً من البيع الجماعي الناتج عن الذعر.

تخيل أن سينما تتعرض لانقطاع التيار فجأة، فالمشاهدون في البداية يصابون بالهلع، لكن هذا الانقطاع المؤقت يمنحهم فرصة لإدراك أن الأمر ربما مجرد خدعة على الشاشة. هكذا، آلية الإيقاف المؤقت موجودة — فهي تجبر السوق على التهدئة.

آلية الإيقاف المؤقت في سوق الأسهم الأمريكية ذات الثلاث مستويات

وفقًا للقواعد، عندما ينخفض مؤشر S&P 500 مقارنة بسعر الإغلاق السابق، يتم تفعيل الإيقاف المؤقت وفقًا للمستويات التالية:

المستوى الأول: انخفاض 7%

  • شرط التفعيل: انخفاض مؤشر S&P 500 بنسبة 7% خلال يوم واحد
  • رد الفعل في السوق: إيقاف جميع التداولات لمدة 15 دقيقة
  • مدة التفعيل: يكون ساريًا فقط بين الساعة 9:30 صباحًا و3:25 مساءً، وإذا حدث بعد 3:25، يستمر التداول

المستوى الثاني: انخفاض 13%

  • شرط التفعيل: انخفاض المؤشر بنسبة 13% خلال يوم واحد
  • رد الفعل: إيقاف جميع التداولات مرة أخرى لمدة 15 دقيقة
  • مدة التفعيل: أيضًا قبل الساعة 3:25 مساءً

المستوى الثالث: انخفاض 20%

  • شرط التفعيل: انخفاض المؤشر بنسبة 20% خلال يوم واحد
  • رد الفعل: توقف فوري لجميع التداولات في ذلك اليوم، وتنتهي جلسة التداول
  • مدة التفعيل: في أي وقت يحدث، لا يُسمح بالتداول في ذلك اليوم

من الجدير بالذكر أن المستويين الأول والثاني لا يتكرران خلال نفس يوم التداول. مثلا، إذا انخفض مؤشر S&P 500 بنسبة 7% وأوقف التداول، ثم استأنف، فإن انخفاض 7% مرة أخرى لن يسبب تفعيل المستوى الأول، إلا إذا وصل الانخفاض إلى 13%، عندها يتم تفعيل المستوى الثاني.

لماذا نحتاج إلى “صمام أمان” كهذا؟

تاريخيًا، شهدت سوق الأسهم الأمريكية يوم الإثنين الأسود في عام 1987. في ذلك اليوم (19 أكتوبر)، هبط مؤشر داو جونز الصناعي بمقدار 508.32 نقطة خلال يوم واحد، بنسبة هبوط بلغت 22.61%، مما أدى إلى انهيار متسلسل في الأسواق العالمية. هذا الانهيار الأسطوري هز النظام المالي بأكمله، وأيقظ الجهات التنظيمية لضرورة وجود آلية حماية.

آلية الإيقاف المؤقت وُجدت بعد هذا الدرس القاسي. وأهدافها تشمل:

منع التدهور العاطفي من التسبب في دورة مفرغة: عندما ينخفض السوق بشكل كبير، يميل المستثمرون إلى الذعر الجماعي. هذا الذعر يسبب رد فعل متسلسل — فمشاهدة الآخرين يبيعون تزيد من الذعر، مما يدفع إلى مزيد من البيع، مسببًا “تدافع” في السوق. الآلية تكسر هذه الحلقة.

تجنب مخاطر “الانهيارات المفاجئة” (Flash Crashes): في 6 مايو 2010، حدثت حالة استثنائية — أدت برامج التداول عالية التردد إلى هبوط داو جونز بمقدار 1000 نقطة خلال 5 دقائق، ثم ارتد بسرعة. مثل هذه التقلبات غير المنطقية تتسبب في خسائر غير ضرورية للمستثمرين. الآلية تمنع حدوث مثل هذه الحالات المتطرفة.

الحفاظ على النظام السوقي: عندما يسيطر الذعر على السوق، قد تتعرض أنظمة التداول لضغط مفرط. التوقف المؤقت يمنح النظام والتداولين فرصة لضبط الأمور.

التأثيرات المزدوجة لآلية الإيقاف المؤقت

كإجراء حماية، فإن تأثيرات الآلية على السوق معقدة.

الجانب الإيجابي: أثبتت الآلية فعاليتها في عدة أزمات. عندما يتوقف السوق، يحصل المستثمرون على وقت لإعادة تقييم الموقف. أظهرت دراسات كثيرة أن التوقف عن التداول يقلل من ردود الفعل المفرطة لاحقًا. من خلال مراجعة أربع حالات إيقاف في 2020، تبين أن السوق بعد كل توقف استطاع أن يعوض جزءًا من خسائره، مما حال دون نتائج أسوأ.

الجانب السلبي المحتمل: لكن، قد تعزز الآلية أيضًا من القلق والتوتر. عندما يعلم المستثمرون أن الإيقاف قد يحدث، قد يسرعون في البيع قبل التوقف، خوفًا من عدم القدرة على الخروج خلال فترة التوقف. هذا السلوك يفاقم تقلبات السوق، وقد يؤدي إلى انخفاض أسرع. بعض المستثمرين يشعرون بزيادة التوتر بسبب وجود الآلية.

لذا، تأثير الآلية يعتمد على الحالة النفسية للسوق والظروف المحددة. ليست حلاً مثاليًا، وإنما توازن بين السيطرة والفوضى.

الفرق بين الإيقاف المؤقت للسوق بالكامل وإيقاف تداول الأسهم الفردية

نظام الإيقاف المؤقت في سوق الأسهم الأمريكية يتضمن مستويين:

الإيقاف المؤقت للسوق بالكامل: هو النظام الثلاثي الذي شرحناه سابقًا، ويُفعل عند حدوث أزمة نظامية في السوق.

إيقاف تداول الأسهم الفردية (تجميد التداول): يُحدد حدًا للتغير في سعر سهم معين. إذا تغير سعر السهم خلال 5 ثوانٍ بأكثر من النسبة المحددة، يُدخل السهم في وضع تقييد لمدة 15 ثانية. وإذا لم يستعد السعر الطبيعي خلال 15 ثانية، يُوقف التداول على السهم لمدة 5 دقائق. الهدف هو منع “الانهيارات المفاجئة” على مستوى سهم واحد.

هاتان الآليتان تكملان بعضهما، وتشكّلان نظام حماية متعدد المستويات للسوق.

استعراض خمس حالات إيقاف في التاريخ

منذ تطبيق الآلية رسميًا في 1988، حدثت خمس حالات إيقاف في سوق الأسهم الأمريكية:

27 أكتوبر 1997: تأثرت الأسواق الآسيوية على وجه الخصوص، وانهارت سوق الأسهم الأمريكية، حيث هبط مؤشر داو جونز بنسبة 7.18%، مما أدى إلى تفعيل المستوى الأول، وتوقف التداول لمدة 15 دقيقة. هذا التوقف كان معتدلًا، وأظهر أن النظام يعمل بشكل جيد.

أربع حالات إيقاف في مارس 2020: كانت الأكثر درامية. خلال عشرة أيام، شهدت السوق أربع حالات إيقاف من المستوى الأول:

  • 9 مارس: هبوط مؤشر S&P 500 بأكثر من 7%
  • 12 مارس: هبوط مؤشر S&P 500 بأكثر من 7%
  • 16 مارس: هبوط مؤشر S&P 500 بأكثر من 7%
  • 18 مارس: هبوط مؤشر S&P 500 بأكثر من 7%

هذه الحالات الأربعة كانت نتيجة الذعر الناتج عن جائحة كورونا. من بداية تفشي الوباء، مع عدم اليقين، وإجراءات الإغلاق، وتوقف النشاط الاقتصادي، شهد السوق أكبر تعديل خلال ثلاثة أشهر. في ذلك الوقت، هبط سعر النفط بشكل حاد (بسبب انهيار اتفاقية السعودية وروسيا)، وتوقف سلاسل التوريد، وتراجعت توقعات أرباح الشركات، وارتفعت معدلات البطالة. بحلول 18 مارس، انخفض مؤشر S&P 500 بنسبة 30%، وداو جونز بنسبة 31%، وناسداك بنسبة 26%. كثير من المستثمرين عايشوا تقلبات لم يروها من قبل.

كيف يتعامل المستثمرون مع الإيقاف المؤقت؟

هل ستتكرر حالات الإيقاف في المستقبل؟ من المرجح أن يكون الجواب “نعم”. التاريخ يُظهر أنه طالما هناك أحداث غير متوقعة أو تغيرات غير متوقعة في الاقتصاد، فإن السوق قد يتعرض للإيقاف.

عند حدوث الإيقاف، ينبغي على المستثمرين أن يتبعوا استراتيجيات مثل:

اعتماد مبدأ “السيولة أولاً”. عندما يكون السوق غير مستقر، من الحكمة أن يحتفظ المستثمرون بالنقد أكثر من التسرع في البيع. ضمان وجود سيولة كافية لمواجهة الطوارئ وحماية رأس المال هو الأولوية.

الحفاظ على قرارات عقلانية. الإيقاف هو فترة هدوء يمنحها السوق للمستثمرين، فلا يضيعوا هذه الـ15 دقيقة في التهور. استغل الوقت لإعادة تقييم محفظتك وتحليل المخاطر، بدلاً من البيع العشوائي.

الثقة في الاستثمار على المدى الطويل. التوقف المؤقت لا يغير الاتجاه العام. تاريخيًا، بعد كل إيقاف، عادةً ما يعوض السوق خسائره ويحقق ارتفاعات جديدة. الذعر المفرط غالبًا ما يؤدي إلى فقدان فرص الانتعاش التالية.

الخلاصة

آلية الإيقاف المؤقت هي إجراء حماية أُنشئ لحماية السوق من المخاطر النظامية. عبر مستويات التفعيل الثلاثة (7%، 13%، 20%)، فهي تمسك بزمام الأمور عند حافة الانهيار. منذ أن أُنشئت بعد الإثنين الأسود في 1987، خضعت لاختبارات عدة.

رغم أن الآلية ليست مثالية — فهي أحيانًا تعزز تقلبات قصيرة المدى — إلا أنها بشكل عام توفر استقرارًا ضروريًا للسوق. سواء كنت مستثمرًا مبتدئًا أو محترفًا، فهم آلية الإيقاف المؤقت هو خطوة مهمة لفهم قواعد عمل سوق الأسهم الأمريكية.

وفي المرة القادمة التي يحدث فيها إيقاف، من الأفضل أن تتعامل معه بوعي، وتستخدم فترة الهدوء لإعادة التفكير، فهذا هو التصرف الذكي للمستثمر الحقيقي.

شاهد النسخة الأصلية
قد تحتوي هذه الصفحة على محتوى من جهات خارجية، يتم تقديمه لأغراض إعلامية فقط (وليس كإقرارات/ضمانات)، ولا ينبغي اعتباره موافقة على آرائه من قبل Gate، ولا بمثابة نصيحة مالية أو مهنية. انظر إلى إخلاء المسؤولية للحصول على التفاصيل.
  • أعجبني
  • تعليق
  • إعادة النشر
  • مشاركة
تعليق
0/400
لا توجد تعليقات
  • تثبيت