إعادة التفكير في قاعدة السحب الأربعة: هل لا تزال مناسبة ل تقاعدك؟

عندما تبدأ في التخطيط للتقاعد، غالبًا ما يظهر قانون السحب 4% كإرشاد أساسي: سحب 4% من محفظتك في السنة الأولى، ثم تعديل هذا المبلغ سنويًا لمواجهة التضخم. على الرغم من أن هذا الإطار قدم توجيهًا لعدة عقود، إلا أن مشهد التقاعد اليوم يختلف جوهريًا. فالعمر المتوقع الأطول، وتقييمات السوق المرتفعة، وعوائد السندات المعتدلة، وتزايد تكاليف الرعاية الصحية تعني أن الاعتماد على صيغة سحب ثابتة بنسبة 4% قد يتركك إما تنفق أقل من اللازم وتفوت فوائد التقاعد، أو تنفق أكثر من اللازم وتعرض أمنك المالي للخطر في سنواتك الأخيرة.

أصول وحدود قاعدة الـ 4%

تعود أصول قاعدة السحب 4% إلى بحث ويليام بنجن الرائد عام 1994، الذي حلل أداء الأسهم والسندات الأمريكية التاريخي منذ ما يقرب من سبعة عقود. أظهر تحليل بنجن أن البدء بنسبة سحب 4% وتعديلها سنويًا لمواجهة التضخم كان سيحافظ على استدامة معظم فترات التقاعد التي تمتد لـ 30 عامًا عبر تاريخ السوق الحديث. ثم توسع دراسة الثالوث (Trinity Study) على هذا البحث، ووجدت أن استراتيجية السحب المعدلة للتضخم بنسبة 4% نجحت تقريبًا بنسبة 90% إلى 95% عبر فترات زمنية تصل إلى ثلاثة عقود.

لكن هذه النتائج لم تكن أبدًا ضمانات، فهي كانت إرشادات تستند إلى ظروف تاريخية محددة وحقبة معينة. كانت الأبحاث الأصلية تفترض سلوك سوق متوقع، وأنماط تضخم مستقرة، وفترات تقاعد معتادة — وهي افتراضات لم تعد تنطبق بشكل شامل اليوم.

تحديات العمر المتوقع الممتد وتغيرات السوق تضعف قاعدة الـ 4 التقليدية

يواجه المتقاعدون اليوم جدولًا زمنيًا مختلفًا تمامًا عن الذين صُممت لهم قاعدة الـ 4%. فالكثيرون يخرجون من سوق العمل في أوائل الستينيات ويعيشون حتى أواخر الثمانينيات أو التسعينيات، مما يخلق فترات تقاعد تمتد من 30 إلى 40 عامًا بدلاً من الافتراض الأصلي البالغ 30 عامًا. هذا الأفق الممتد يزيد من تعرضهم لمخاطر تسلسل العوائد: إذا انهارت الأسواق مبكرًا في التقاعد، قد لا تتعافى محفظتهم أبدًا حتى مع استمرارهم في السحب بالمعدل المعتاد.

بيئة التمويل الحالية تقدم تحديات إضافية. تظل تقييمات الأسهم مرتفعة مقارنة بالمعايير التاريخية، وتظل عوائد السندات معتدلة نسبيًا مقارنة بالعقود الماضية. تشير هذه الظروف إلى أن عوائد الاستثمار المستقبلية قد تتخلف عن الأداء القوي في منتصف وأواخر القرن العشرين، مما يجعل استراتيجية السحب الثابتة بنسبة 4% قد تكون مفرطة في الطموح في ظل ظروف السوق الحالية. أظهرت تحليلات حديثة من Morningstar أن معدلات السحب الأقرب إلى 3.9% قد تكون أكثر حكمة في ظل الظروف الحالية. وفي الوقت نفسه، تستمر نفقات الرعاية الصحية في الارتفاع — حيث يواجه العديد من المتقاعدين فواتير طبية تزيد بشكل كبير عن التضخم العام، مما يضغط على الميزانيات التي تفترض زيادات ثابتة في التكاليف.

المخاطر الخفية لنهج جامد

الالتزام الصارم بصيغة السحب 4% بالإضافة إلى التضخم يخلق العديد من الثغرات. إذا حدثت انخفاضات في السوق مبكرًا في التقاعد، فإن الحفاظ على سحوباتك بالمعدل القياسي يمكن أن يضر بشكل دائم بإمكانات نمو محفظتك. كما أنك تخاطر بتجاهل نفقات كبيرة لا تتبع أنماط التضخم بشكل دقيق — خاصة الرعاية طويلة الأمد، والعلاجات الطبية الخاصة، والأزمات الصحية غير المتوقعة التي يمكن أن تتصاعد بشكل كبير من سنة لأخرى.

الأهم من ذلك، أن استراتيجية السحب الثابتة لا توفر مرونة عندما تتغير الظروف. إذا تعرضت لخسائر استثمارية وظل إنفاقك ثابتًا، قد تنفد مدخراتك خلال سنوات لم يعد من الممكن فيها العودة للعمل.

استراتيجيات السحب الديناميكية: ما بعد النسب الثابتة

يزداد عدد المستشارين الماليين الذين يوصون بأساليب سحب أكثر استجابة تتكيف مع أداء محفظتك الفعلي. في سنوات السوق القوية، يمكنك زيادة السحوبات؛ وخلال فترات الانخفاض، يمكنك تقليل الإنفاق لحماية أصولك الأساسية.

إحدى الطرق الفعالة هي استراتيجية الحواجز (الحدود)، التي تحدد حدودًا عليا وسفلى لمعدل السحب أو قيمة المحفظة. عندما تقترب من أحد هذه الحدود، تقوم بضبط إنفاقك وفقًا لذلك — بالتشديد عندما يكون الأداء مخيبًا، والتخفيف عندما تزدهر الأسواق. يجمع هذا النهج بين البساطة والمرونة.

يفضل متقاعدون آخرون طريقة الدلو (bucket method): حيث يحتفظون بالنقد لتلبية الاحتياجات الفورية (سنة إلى سنتين)، وسندات متوسطة الأجل للاستقرار في المدى المتوسط (3–10 سنوات)، والأسهم للنمو على المدى الطويل (10+ سنوات). يزيل هذا الهيكل الضغط لبيع الأسهم بعد انخفاض السوق، ويسمح لك بتحمل التقلبات بثقة أكبر.

خيار ثالث يتضمن البدء بمعدل سحب أكثر تحفظًا — مثلاً، 3% إلى 3.5% — مع دعم ذلك بمصادر دخل مضمونة مثل الضمان الاجتماعي، والمعاشات، أو العمل الجزئي. هذا النهج متعدد الطبقات يقلل الاعتماد على أداء المحفظة في الإنفاق الضروري.

التخطيط الشخصي لدخل التقاعد

بدلاً من السؤال عما إذا كانت نسبة 4% “آمنة” بشكل عام، السؤال الأفضل هو: ما استراتيجية السحب التي تتوافق مع نمط حياتك، وأهدافك، وتحملك للمخاطر؟

فكر في مسار إنفاقك المتوقع. يزداد إنفاق العديد من المتقاعدين على السفر والأنشطة الترفيهية في سنوات التقاعد الأولى، ثم يتحولون إلى حياة أكثر هدوءًا وراحة في المنزل مع تطور القدرات البدنية والاهتمامات. قد يكون إنفاقك مركّزًا في بداية التقاعد، ثم يستقر أو ينخفض في السنوات اللاحقة — وهو نمط يتناقض مع الافتراض البسيط بزيادات ثابتة معدلة للتضخم.

عند تصميم خطة تقاعدك، ضع في اعتبارك تاريخ بدء التقاعد الفعلي، وطول العمر المتوقع، ومصادر الدخل المضمونة، وراحتك النفسية مع تقليل الإنفاق خلال فترات السوق الهابطة. تشغيل سيناريوهات متعددة — متفائلة، واقعية، ومتشائمة — يساعدك على تحديد ما إذا كانت استراتيجية مرنة أو نهج الحواجز ستوفر لك دخلًا كافيًا اليوم دون تعريض سنواتك القادمة للخطر.

تطور خطة التقاعد باستمرار

سيبدو تقاعدك عند سن 65 مختلفًا تمامًا عن تقاعدك عند سن 80. فاحتياجات الرعاية الصحية تتزايد عادة، وتحدث تغييرات في نمط الحياة، وقد تتغير ظروف الأسرة. أكثر خطط التقاعد مرونة هي التي تتوقع هذه التحولات بدلاً من افتراض إنفاق ثابت معدل فقط بالتضخم.

في النهاية، يظل قانون السحب 4% نقطة انطلاق مفيدة — مرجعًا شائعًا يضع إطارًا للمحادثات التخطيطية. لكنه لا ينبغي أن يحدد نهجك. بدلاً من ذلك، اعتبره خيارًا واحدًا ضمن أدوات أوسع، وراجع خطتك سنويًا أو عند حدوث تغييرات كبيرة في السوق أو ظروف الحياة. التقييم المنتظم، والمرونة في تعديل السحوبات، والانفتاح على تطور أنماط الإنفاق أهم بكثير من العثور على “نسبة مثالية” واحدة للسحب عند البداية. فالتقاعد هو عملية حية، وليس معادلة محددة سلفًا.

شاهد النسخة الأصلية
قد تحتوي هذه الصفحة على محتوى من جهات خارجية، يتم تقديمه لأغراض إعلامية فقط (وليس كإقرارات/ضمانات)، ولا ينبغي اعتباره موافقة على آرائه من قبل Gate، ولا بمثابة نصيحة مالية أو مهنية. انظر إلى إخلاء المسؤولية للحصول على التفاصيل.
  • أعجبني
  • تعليق
  • إعادة النشر
  • مشاركة
تعليق
0/400
لا توجد تعليقات
  • تثبيت